زاد الروح
مرحبا بالزوار الكرام ارجوا التسجيل و المشاركة في الموضوعات
بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المواضيع الأخيرة
» الرد على من قال ان عاشوراء اكذوبه و فيها فضل عاشوراء
اليوم في 12:12 am من طرف طالب علم

» السنن القبلية و البعدية للصلوات الخمس و الوتر
الثلاثاء أكتوبر 21, 2014 2:48 am من طرف طالب علم

» الصلاة و كيفيتها ( شرح مبسط للصلاة من تكبيرة الاحرام الى السلام )
الخميس أكتوبر 09, 2014 2:58 pm من طرف طالب علم

» علامات الساعة ( كثرة القتل )
الأربعاء أكتوبر 08, 2014 3:16 pm من طرف طالب علم

» العشر من ذي الحجة
الثلاثاء سبتمبر 30, 2014 12:40 am من طرف طالب علم

» من اخطاء المصلين
الجمعة سبتمبر 12, 2014 9:09 pm من طرف طالب علم

» قصة الغلام و الملك و الساحر و الرضيع الذي تكلم في المهد
الجمعة سبتمبر 05, 2014 8:28 pm من طرف طالب علم

» واحد من الثلاثة الذين تكلموا في المهد ( من صحيح الامام مسلم )
الأربعاء أغسطس 27, 2014 3:25 pm من طرف طالب علم

» قصة جريج العابد ( الذين تكلموا في المهد )
الأحد أغسطس 24, 2014 3:48 pm من طرف طالب علم

» ابن صياد ( الدجال ) علامات الساعة
الجمعة أغسطس 22, 2014 7:25 pm من طرف طالب علم

» قصة بقرة بني اسرائيل
الخميس أغسطس 14, 2014 2:13 am من طرف طالب علم

» كتابة الارقام بالحروف
الثلاثاء أغسطس 12, 2014 1:23 pm من طرف طالب علم

» ادوات الجزم ( روف الجزم ) مع معانيها
الأحد أغسطس 10, 2014 5:41 pm من طرف طالب علم

» تفسير قوله تعالى {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهَانَ رَبِّه}
الإثنين أغسطس 04, 2014 8:45 pm من طرف طالب علم

» قصة نبي الله ايوب عليه السلام
الخميس يوليو 31, 2014 7:21 pm من طرف طالب علم


المسح على الجوربين ( مناقشة الادلة )

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

المسح على الجوربين ( مناقشة الادلة )

مُساهمة من طرف طالب علم في الخميس نوفمبر 18, 2010 8:54 pm

أيها الإخوة السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، أما بعد :

فقد كنتُ نشرتُ في هذا المنتدى الطيب رسالة تبحث في مسألة المسح على الجوربين ، وبعد أن تلقيتُ الأسئلة والاستفسارات عن بعض المسائل ضمن الرسالة من بعض الإخوة المشاركين ،

قمتُ بتوضيح تلك المسائل ، وإعادة صياغتها ، وزيادة أدلة وآثار تغني البحث . فصار البحث معالجاً من الناحية الحديثية واللغوية والفقهية والأصولية ( وبخاصة مسألة القياس على الخفّين ولماذا مسح الصحابة على الجورب والنعل ، وتعريف العلة وكذلك الرخصة والعزيمة ، مع ذكر مذهب بعض الصحابة في تفضيل الغسل ) فأرجو من كل المشاركين الذين اطلعوا على الرسالة السابقة واحتفظوا بها ، أن يعيدوا النظر في الرسالة الجديدة ، والاعتماد عليها ، وإلغاء الأولى ، والسلام عليكم .
________________________________________
أبو إدريس الحسني
29-03-05, 02:52 PM
الحمد لله ربِّ العالمين ، اللهم صلِّ وسلّم وبارك على عبدك ورسولك محمدٍ وعلى آله وأزواجه أجمعين أما بعد :

فقد أصبح من الملاحظ على بعض النّاس إذا قاموا للصلاة ، أنهم يمسَحون على الجوارب بدلاً مِنْ غسْل القدمين ، ويتكرّرُ ذلك الفعلُ منهم في حال الصحّة ، صيفاً وشتاءً ، وفي البيت أو مكان العمل ، وأكثر ما يكون ذلك في الفتيان منهم ! فإذا سأَلْتَ أحَدَهم لم لا تنزع جوربيك لتغسلَ قدميك ؟ أجابَك مُسْرِعاً : إنّها السنّة ، أو قال : هي رخصةٌ لمن شاءَ الأخذَ بها ، أو قال : إنَّ نزعَ الجوربين لغسل القدمين هو من التنطّعِ و التشدُّد في الدّين والأَوْلَى المسحُ عليهما .

لذلك تجِدُهم اعتَادوا المسحَ على الجوربين ، حتى أصبحَ المسحُ عند بعضهم هو الأصل ، أو بديلاً مكافئاً للغسل ، أو كما يقولون هي رخصةٌ مطلقة لا قيدَ لها . وانتشرَ هذا الفعل حتى أصبح ظاهرةً تَلْفِتُ النظر . وكنتُ قرأتُ رسالةً في المسح على الجوربين للشيخ العلاّمة جمال الدّين القاسمي بتحقيق الشيخ المحدّث ناصر الدّين الألباني و تقديم العلاّمة أحمد شاكر ، رحمة الله عليهم ، واتفقَ ثلاثَتُهم على تصحيح حديث المغيرة بن شعبة ( أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم توضّأ ومسحَ على الجوربين و النعلين ) وكذلك قرأتُ بحثاً حديثياً للشيخ المحدث أحمد الغماري ، في تخريجه لأحاديث بداية المجتهد ، جنحَ فيه أيضاً إلى تصحيح الحديث ؛ فاستقرَّ في ذهني أن الرّاجحَ هو كونُ حديث المسح على الجوربين من قسم الصحيح ، و الذي فهمته أيضاً أن المسح رخصةٌ عند الحاجة .

ثمّ قرأتُ بحثاً لأخينا الشيخ محمد أمجد البيطار حفظه الله ، بعنوان " الحديث الشاذ وأثره في الفقه " وضربَ لذلك أمثلةً ، منها حديث المغيرة في المسح على الجوربين ، ونَقَلَ كلامَ العُلماء فيه واتّفاقَ الأئمّةِ منهم على تضعيفه وأنّه مخالفٌ لجميع الروايات عن المغيرة والتي فيها المسح على الخُفَّيْن . مما دفعني إلى البحث في علّة هذا الحديث ، والتّدبّرِ في أصول هذه المسألة واستقصاء كلام العلماء فيها فكانت هذه الرّسالة .



أوّلاًـــ وقبلَ الشّروعِ في بيان علّة الحديث ، لابدَّ من التنبيه على أن مسألة المسحِ على الجوربين قد وَرَدَتْ عن بعض الصّحابة الكرام* ، وهم العُمْدَة عند من رخّص بالمسح على الجوربين ، مع حكمه على حديث المغيرة بالضعف ؛ لذلك أجد أنّه من المفيد أن أَشْرَعَ في بيانِ معنى الجورب عند السّلف .

00000000000000000000000000000000000000000000

* ـــ ذكر الشيخ القاسمي في رسالته أنهم ستة عشر صحابياً . وعند البحث تبيّن أنّ الذين صحّت الرّواية عنهم هم أربعة فقط : علي بن أبي طالب ، والبراء بن عازب ، وأنس بن مالك ، و أبو مسعود عقبة بن عمرو. وهناك الصحابيان سهل بن سعد ، وأبو أمامة الباهلي جاءت الرّواية عنهما بأسانيد قد تصل إلى رتبة الحسن . وأمّا الباقون فالرّوايات عنهم ضعيفة لاتصح . انظر رسالة الشيخ أمجد البيطار .

00000000000000000000000000000000000000000000000000 0000

فأقول مستعيناً بالله القوي :

• جاء في شرح منتهى الإرادات للبهوتي ج 1 : " .. الجوربُ ... ولعله اسمٌ لكلِّ ما يلبس في الرِّجل على هيئة الخُفِّ [1]من غير الجلد . انتهى

00000000000000000000000000000000000

[1] ـ قال في اللسان : والخفُّ أغلظ من النعل .

00000000000000000000000000000000000000

• و جاء في كتاب عون المعبود شرح سنن أبي داود للعظيم آبادي مع تعليقات ابن القيم ج1 صـ180 :

" باب المسح على الجَوْرَبَيْنِ : ..تثنية الجورب . قال في القاموس : الجورب لِفَافة الرجل . وفي الصحاح : الجورب معرّب .. انتهى . وقال الطيبي: الجورب لِفافة الجلد وهو خفّ معروفٌ من نحو الساق . قال أبو بكر ابن العربي في عارضة الأحوذي : الجورب غشاء للقدم من صوف يتخذ للدفاء ، وهو التسخان . ومثله في قوت المغتذي للسيوطي . وقال القاضي الشوكاني في شرح المنتقى : الخفّ نعلٌ من أَدَم يغطّي الكعبين .والجرموق أكبر منه يُلبس فوقه، والجوربُ أكبر من الجرموق . وقال الشيخ عبد الحق الدهلوي في اللمعات: الجورب خفٌّ يلبس على الخف إلى الكعب للبرد ولصيانة الأسفل من الدرن والغسالة . وقال في شرح كتاب الخرقي :الجرموق خف واسع يلبس فوق الخف في البلاد الباردة . وقال المطرّزي : الموق خفٌّ قصير يلبس فوق الخف .. انتهى كلام الشيخ . وقال العلامة العيني من الأئمة الحنفية : الجورب هو الذي يلبسه أهل البلاد الشاميّة الشديدة البرد وهو يتخذ من غزل الصوف المفتول يلبس في القدم إلى ما فوق الكعب .. انتهى . وقد ذكر نجم الدين الزاهدي عن إمام الحنفية شمس الأئمة الحلواني أنّ الجورب خمسة أنواع : من المرعزي [2] ومن الغزل والشعر والجلد الرقيق والكرباس [3] . قال: وذكر التفاصيل في الأربعة من الثخين والرقيق والمنعّل وغير المنعّل والمبطن وغير المبطن وأمّا الخامسة فلا يجوز المسح عليه .. انتهى .

0000000000000000000000000000000000000

2 ـ المرعزي : الزغب الذي تحت شعر العنز

3 ـ الكرباس : ما نسج من مغزول القطن

00000000000000000000000000000000000000000

فَعُلِمَ من هذه الأقوال أن الجورب هو نوع من الخفّ إلا أنه أكبر منه، فبعضهم يقول هو إلى نحو الساق ، وبعضهم يقول : هو خفّ يلبس على الخف إلى الكعب ، ثم اختلفوا فيه : هل هو من جلد وأديم ، أو ما هو أعمّ منه من صوف وقطن . ففسره صاحب القاموس بلِفافة الرِّجل . وهذا التفسير بعمومه يدل على لفافة الرجل من الجلد والصوف والقطن . وأما الطيبي والشوكاني فقيّداه بالجلد. وهذا مآل كلام الشيخ الدهلوي أيضاً . وأمّا الإمام أبو بكر ابن العربي ثم العلامة العيني فصرّحا بكونه من صوف . وأما شمس الأئمة الحلواني فقسمه إلى خمسة أنواع . فهذا الاختلاف _ والله أعلم _ إمّا لأنّ أهل اللغة اختلفوا في تفسيره وإما لكون الجورب مختلف الهيئة والصنعة في البلاد المتفرقة ، ففي بعض الأماكن كان يتخذ من أديم ، وفي بعضها من كل الأنواع ، فكلُّ من فسّره إنما فسَّره على هيئة بلاده، ومنهم من فسَّره بكل ما يوجد في البلاد بأي نوع كان . انتهى .

• قال الشوكاني في نيل الأوطار ج1 صـ228 :

".. والحديث بجميع رواياته يدل على جواز المسح على الموقين وهما ضَرْبٌ من الخفاف .قاله ابن سِيْدَه والأزهري وهو مقطوع الساقين قاله في الضياء . وقال الجوهري : الموق : الذي يلبس فوق الخف، قيل : وهو عربي، وقيل : فارسي معرّب . ويدل على جواز المسح على الجورب وهو لِفافة الرجل قاله في الضياء والقاموس وقد تقدّم أنه الخف الكبير ".

• وقال الإمامُ الشافعي رحمه الله ، وهو حجةٌ في اللغة باتفاق العلماء ، في كتابه " الأم "

ج 1 صـ 49

".. والخفُّ الذي يُمْسَحُ عليه ، الخفُّ المعلوم ، ساذجاً كان أو منعلاً . فإن تخفَّفَ واحداً غيره فكان في معناه مسح عليه، وذلك أن يكون كله من جلود بقر أو إبل أو خشب فهذا أكثر من أن يكون من جلود الغنم . فإذا كان الخفّان من لُبُود [4] أو ثياب أو طُفي فلا يكونان في معنى الخف حتى ينعّلا جلداً أو خشباً أو ما يبقى إذا توبع المشي عليه . ويكون كل ما على مواضع الوضوء منها صفيقاً ( كثيفاً) لا يشفّ فإذا كان هكذا مسحَ عليه ، وإذا لم يكن هكذا لم يمسح عليه وذلك أن يكون صفيقاً لا يشف وغير منعّل فهذا جورب . .. فإذا كان عليه جوربان يقومان مقام الخفين يَمْسَحُ عليهما . انتهى

0000000000000000000000000000000000000000000

4 ـ اللبود : الصوف المتلبّد أي الملتصق ببعضه بشدة ، مثل البُسُط

0000000000000000000000000000000000000000000

• جاء في كتاب (مواهب الجليل) للحطّاب المالكي ج1 صـ340

قال في " التوضيح " :الجورب ما كان على شكل الخف من كَتان أو قطن أو غير ذلك .

• وقال الزَبيدي في " تاج العروس " : الجوربُ : لِفافة الرِّجل ، وهو بالفارسيّة كورب و أصله كوربا ومعناه : قبرُ الرِّجل . انتهى

ـــ وبعد :

فهذه نقولٌ مختصرة جمعتُها من بعض الكتب الموجودة بين يدي ولا أريد الإطالة في النقل لأني أظن أنه أصبح واضحاً في الأذهان أن الجورب ليس له في كتب اللغة أو شروح الفقه والحديث تعريفٌ أو وصفٌ ثابت ومنضبط يمكن حَمْلُ اللفظِ عليه كلّما ورد في الكلام ؛ ولعلّ السبب في ذلك أنّ هذه اللفظة فارسيّة . ولذلك لا يصح أن نعرِّف الجورب الذي مسحَ الصحابة عليه بما نصطَلِحُ عليه اليوم ، بل إذا أراد أحدٌ أن يقلّدهم في المسح على الجورب ، وَجَبَ عليه أن يتحقق من صفة الجورب الذي مسحوا عليه . لأن أوصاف الجورب التي سقناها في البداية تشعرنا بقوّة أنّ الجوارب الموجودة الآن لا تشبه أبداً الجوارب التي مسح عليها السلف[5] .

000000000000000000000

5ـ ولا تشبه الجوارب التي كانت موجودة في القرن الماضي

000000000000000000000

ولكي أوضح الأمر أكثر أقول :

ــ قال العظيم آبادي في عون المعبود ج1 صـ182 : " .. فالإمام أحمد ابن حنبل وإسحاق بن راهويه والثوري وعبد الله بن المبارك ومحمد بن الحسن وأبو يوسف ذهبوا إلى جواز مسح الجوربين سواء كانا مجلّدين أو منعّلين أو لم يكونا بهذا الوصف بل يكونان ثخينين فقط بغير نعل ٍوبلا تجليد ، وبه قال أبو حنيفة في أحد الروايات عنه ، واضطربت أقوال علماء الشافعية في هذا الباب ؛ وأنت خبير أن الجورب يتخذ من الأديم ، وكذا من الصوف وكذا من القطن ويقال لكل من هذا : إنه جورب . ومن المعلوم أن هذه الرخصة ، بهذا العموم، التي ذهبت إليها تلك الجماعة لا تثبت إلا بعد أن يثبت أن الجوربين اللذَين مسح عليهما النبي صلى الله عليه وسلم كانا من صوف سواء كانا منعّلين أو ثخينين فقط ، ولم يثبت هذا قط . فمن أين عُلِمَ جواز المسح على الجوربين غير المجلّدين ؟ بل يُقال : إن المسح يتعيّن على الجوربين المجلّدين لا غيرهما ؛ لأنهما في معنى الخف ، و الخف لا يكون إلا من أديم . نعم لو كان الحديث قولياً بأن قال النبي صلى الله عليه وسلم ( امسحوا على الجوربين ) لكان يمكن الاستدلال بعمومه على كل أنواع الجورب ، وإذ ليس فليس .

فإن قلتَ : لمّا كان الجورب من الصوف أيضاً احتمل أن الجوربين اللَذين مسح عليهما النبي صلى الله عليه وسلم كانا من صوف أو قطن إذ لم يبيّن الراوي ؟ قلت: نعم الاحتمال في كل جانب سواء يحتمل كونهما من صوف وكذا من أديم وكذا من قطن ، ولكن ترجّح الجانب الواحد وهو كونه من أديم ؛ لأنه يكون حينئذٍ في معنى الخف ، ويجوز المسح عليه قطعاً ، وأمّا المسح على غير الأديم فثبت بالاحتمالات التي لم تطمئن النفس بها ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( دع ما يريبك إلى ما لايريبك ) . انتهى

ــ جاء في " المغني " لابن قدامة الحنبلي ج1 صـ 373 :

مسألة : قال : ( وكذلك الجورب الصفيق الذي لا يسقط إذا مشى فيه ) إنما يجوز المسح على الجورب بالشرطين اللذين ذكرناهما في الخف , أحدهما أن يكون صفيقاً , لا يبدو منه شيء من القدم . الثاني أن يمكن متابعة المشي فيه . هذا ظاهر كلام الخرقي . قال أحمد في المسح على الجوربين بغير نعل : إذا كان يمشي عليهما , ويثبتان في رجليه , فلا بأس . وفي موضع قال : يمسح عليهما إذا ثبتا في العقب . وفي موضع قال : إن كان يمشي فيه فلا ينثني , فلا بأس بالمسح عليه , فإنه إذا انثنى ظهر موضع الوضوء . ولا يعتبر أن يكونا مجلدين . انتهى وجاء فيه أيضاً ج 1 صـ 374

فصلٌ : وقد سئل أحمد عن جورب الخِرَق , يُمْسَحُ عليه ؟ فكره الخرق . ولعل أحمد كرهها ; لأن الغالب عليها الخفة , وأنها لا تثبت بأنفسها . فإن كانت مثل جورب الصوف في الصفاقة والثبوت , فلا فرق . وقد قال أحمد , في موضع : لا يجزئه المسح على الجورب حتى يكون جورباً صفيقاً , يقوم قائماً في رجله لا ينكسر مثل الخفين ,إنما مَسَحَ القومُ على الجوربين أنه كان عندهم بمنزلة الخف , يقوم مقام الخف في رِجل الرَّجل , يذهب فيه الرجل و يجيء .

وجاء فيه أيضاً ج1 صـ376
فصل : ولا يجوز المسح على اللفائف و الخِرَق . نصَّ عليه أحمد . وقيل له : إن أهل الجبل يلُفُّون على أرجلهم لفائف إلى نصف الساق ؟ قال : لا يجزِئُه المسح على ذلك ، إلا أن يكون جورباً . وذلك أن اللفافة لا تثبت بنفسها ، إنما تثبت بشدّها، ولا نعلم في هذا خلافاً . انتهى

ـ فكما ترى ، المجوِّزون للمسح على الجوربين يتحدّثون عن جوارب مختلفة تماماً عن الجوارب التي يلبسها الناس في أيّامنا هذه ، فالجورب قديماً كان مما يذهب فيه الرجل ويجيء ، أي هو نوع من الأحذية يشبه الخفّ .

ــ وقد يستشهدُ بعضهم بحديث ثوبان في مسند الإمام أحمد قال : (بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية فأصابهم البرد ، فلما قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم شكوا إليه ما أصابهم من البرد فأمرهم أن يمسحوا على العصائب والتساخين ) ، ويقولون إن التساخين كل ما تسخن به القدم من خف وجورب ونحوهما [6].

00000000000000000000000000000000000000000000000000 000000000000000000000000000000

6 ـ ويعزون هذا الشرح للعلاّمة ابن الأثير في " النهاية في غريب الحديث " ولم أجده ! والذي وجدته أنها الخفاف ، وذَكَرَ ذلك في موضعين , وكذلك صرّح به في جامع الأصول .

00000000000000000000000000000000000000000000000000 000000000000000000000000000000

فأقول : إنَّ معظم الأئمة المحدِّثين قد ضعّفوا هذا الحديث , قال الإمام ابن حجر العسقلاني عقب ذكر هذا الحديث : " ... أخرجه أحمد وأبو داود والحاكم , وإسنادُه منقطع وضعّفه البيهقي , وقال البخاريُّ لا يصحّ , ولفظ أحمد ( أنّ النبي صلى الله عليه وسلم توضّأ ومسح على خفّيه وعلى الخمار والعمامة ) " . انتهى اُنظر الدراية في تخريج أحاديث الهداية ج1 صـ 72

ومع ذلك فإنَّ العلماء يذكرون هذا الحديث في معرِض الاستدلال على جواز المسح على العمامة أو المسح على الخفّ , لأنَّ العصائب هي العمائم ، و التساخين هي الخفاف " كما نصَّ على ذلك كلٌ من :

ــــ الإمام أبي عبيد في " غريب الحديث " ج1 صـ187
ــــ الإمام ابن الأثير في "النهاية في غريب الحديث والأثر" ج 1صـ189 ، ج 2 صـ352
ــــ الإمام ابن حزم في " المُحلّى " ج 2 صـ 51
ــــ الإمام ابن تيمية في الفتاوى ج 21 صـ173 .

ــــ ابن منظور في " اللسان " مادة (سخن ) .

بل إنّ الإمام ابن الأثير زاد فقال : قال حمزة الأصفهاني في كتاب "الموازنة" : التّسخان تعريب تَشْكَن ، وهو اسم غِطاءٍ من أغطية الرَّأس ، كان العلماء والقُضاةُ يأخُذُونه على رُؤُوسهم خاصّة دون غيرهم . قال : وجاء ذكر التّساخين في الحديث فقال مَنْ تعاطى تفْسيرَه : هو الخُفّ ، حيثُ لم يَعْرِف فارسيّته . انتهى

إذاً فمن الممكن أن يكون الحديث خاصّاً بالمسح على أغطية الرأس فقط مِنْ عمائم وغيرها ، أو يشمل الخفاف لأنّ التساخين عند أهل اللغة والغريب هي الخفاف ، ولكن يَبعُدُ جدّاً أن يشمل الجوربين .

ثانياً ـــ وأما استشهادهم بحديث المغيرة بن شعبة :" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضّأ ومسح على الجوربين والنعلين "

فهذا هو سببُ الإشكال كلّه ، فإن بعض الذين جوّزوا المسح على الجوربين اعتمدوا على هذا الحديث ومِنْ ثَمَّ أطلقوا الجواز على جميع أنواع الجوارب ولم يتقيّدوا بالقياس على الخف . وهذا الحديث لم يصح وقد حَكَمَ بضعفه ونكارته كل من الإمام أحمد بن حنبل وعبد الرحمن بن مهدي ويحيى بن معين وسفيان الثوري وعلي بن المديني و البخاري و مسلم و أبو داود والنسائي و الدارقطني و البيهقي والنووي …………وأظن أن ذكر هؤلاء يُغني عن ذكر آخرين هم دونهم في الرتبة ، وأحب أن أنبّه لأمرٍ وهو أن كل مَنْ روى الحديث إنّما يرويه عن سفيان الثوري وهو ، كما رأيت ، يحكم بضعف الحديث ، فقد ذكر البيهقي في سننه أنّ أبا محمد يحيى بن منصور قال رأيت مسلم بن الحجاج ( صاحب الصحيح ) ضعّف هذا الخبر وقال أبو قيس الأودي وهذيل بن شرحبيل لا يحتملان وخصوصاً مع مخالفتهما الأجلَّة الذين رووا هذا الخبر عن المغيرة فقالوا : مسح على الخفين ، وقال : لا نترك ظاهر القرآن بمثل أبي قيس وهذيل ، قال: فذكرت هذه الحكاية عن مسلم لأبي العباس محمد بن عبد الرحمن الدغولي فسمعته يقول سمعت علي بن محمد بن شيبان يقول سمعت أبا قدامة السرخسي يقول قال عبد الرحمن بن مهدي قلت لسفيان الثوري لو حدثتني بحديث أبي قيس عن هذيل ما قبلته منك فقال سفيان: الحديث ضعيف ، ثم أسند البيهقي عن أحمد بن حنبل قال: ليس يُروى هذا الحديث إلا من رواية أبي قيس الأودي ، وأَبَى عبدُ الرحمن بن مهدي أن يُحدِّث بهذا الحديث وقال : هو منكر .

وأسند البيهقي أيضاً عن علي بن المديني قال : حديث المغيرة بن شعبة في المسح رواه عن المغيرة أهل المدينة وأهل الكوفة وأهل البصرة ورواه هذيل بن شرحبيل عن المغيرة إلا انه قال ومسح على الجوربين فخالف الناس ، وأسند أيضاً عن يحيى بن معين قال : الناس كلهم يروونه على الخفين غير أبي قيس .

• ولكي أقرِّبَ لك الأمر أخي القارئ أقول : إن الذي دفع بعض العلماء لتصحيح

حديث المغيرة بن شعبة في المسح على الجوربين هو ظنهم أن المغيرة رضي الله عنه قد رافق النبَّي صلى الله عليه وسلم في أسفارٍ متعددة و شاهده في أحوال مختلفة ، و مِنْ ثَمَّ فهو يروي كل ما رآه من أفعال النبي صلى الله عليه وسلم حال وضوئه ، و لأجل ذلك تعدَّدت الرِّوايات عنه ، فمرَّةً روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مسح على الخفين ، ومرَّةً روى عنه أنّه مسح على العمامة ، ومرَّةً روى عنه أنّه مسح على الخمار، وفي أخرى أنه مسح على ناصيته وعمامته، ومرّة قال كان يغسل ثلاثاً ، فمن المقبول جداً أن يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مسح على الجوربين والنعلين ، وكل هذه الروايات إنما هي حكاية ما رآه المغيرة في وقائعَ مُتَعدِّدة . فلماذا إنكارُ روايةِ المسح على الجوربين من بين كلِّ تلك الرِّوايات ؟ والذي ساعدهم على هذا الفهم ـ في رأيي ـ أن ألفاظ الروايات عن المغيرة جاءت مختلفة ، فمرّة يقول في أحد أسفاره ، ومرّة يقول في غزوة تبوك ، وفي رواية يقول ثم صلى الصبح ، وفي أخرى يقول فأدركنا الناسَ يصلي بهم عبدُ الرحمن بن عوف .... وهكذا .

وعند البحث والتدقيق واستقصاء معظم تلك الرِّوايات تبيّنَ لي أنّ القصَّةَ واحدة وما يرويه المغيرة رضي الله عنه إنما هو حادثةٌ جرتْ معه في غزوة تبوك فقط ولم تتكرر . والرُّواة الذين سمعوها منه إنما يروونها مجزّأةً ، أو أنه كان يحدِّث بها في بعض الأحيان كاملةً وفي أحيان يحدث بها مختصرة ، وهذا الأمر معروف عند علماء الحديث ، فالراوي قد ينشط فيحدّث بكامل الرواية ، وقد يكون متعباً فيختصرها ويقتصر على ذكر موضع الشاهد .

و صيغة حديث المغيرة بن شعبة كما رواها الإمام مالك في الموطّأ والإمام أحمد في مسنده هي: ( أنّ رسول صلى الله عليه وسلم ذهبَ لحاجته في غزوة تبوك ، قال المغيرة : فذَهَبْتُ معه بماءٍ ، فجاء النّبيُّ صلى الله عليه وسلم فَسَكَبْتُ عَليه ، فَغَسَل وجهه ، ثُمَّ ذَهَبَ لِيُخْرِجَ يَديه مِنْ كُمِّ جُبَّته ، فلم يستطعْ مِنْ ضِيق كُمِّ جبّته ، فأخرَجَهما مِنْ تحت الجبّة ، فغَسَل يدَه ، ومسح برأسه ، ومَسَح على الخُفّين ، فجاءَ النّبيُّ صلى الله عليه وسلم ، وعبدُ الرحمن يؤُمُّهم ، وقد صلّى لهم ركعة ، فصلّى رسول الله صلى الله عليه وسلم مَعَهم الرَّكعة التي بقيَت عليْهم ، فَفَزِعَ النّاس ، فلمّا فَرَغَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : أحسنتم ) . انتهى

و " تبوك " مكانٌ بينه وبين المدينة من جهة الشّام أربع عشْرَة مرحلة (800كم تقريباً ) ، وبينه وبين دمشق إحدى عشْرة مرحلة ، إذاً المسافة ما بين تبوك والمدينة كبيرة والسّفر فيها يستغرق أياماً ولياليَ عِدّة ، والحادثة التي جَرَتْ مع المغيرة كانت في إحدى هذه الليالي ، لذلك كان يقول مرّةً : خرجْتُ مع النّبي في بعض أسفاره ، ومرّة في سفَرٍ ، ومرّة يسمي الرّحلة فيقول في غزوة تبوك .

وكما مرَّ آنفاً فإن المغيرة تعلَّمَ المسحَ على الخفّين في طريق السفر لهذه الغزوة ، وغزوة تبوك كانت في آخر السّنة التاسعة للهجرة ، ولم يخرج بعدها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا لحجّة الوداع قبل وفاته في السّنة العاشرة ، وهذا أوضح دليل على أن قول المغيرة : " خرجْتُ مع النّبي في بعض أسفاره " يعني غزوة تبوك لا غيرها ، لأنه من غير المقبول أن يَتَعلَّم المغيرة ـ وهو من أذكى الناس بل من دهاة العرب ـ حُكْمَ المسحِ على الخفّين من رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفرٍ من الأسفار ثمّ كلما رآه في أسفارٍ أخرى يمسح عليهما يقول له : لم تنزعْ خفيك يا رسول الله ؟ أو لقد نسيت يا رسول الله ؟ أو يهوي لينزع له خفيه ؛ وإنما مَرَدُّ كلِّ تلك الرّوايات هو إلى هذه الواقعة ، وهي آخر غزواته صلى الله عليه وسلم . ولمّا كان هذا الأمر واضحاً في أذهان أئمة الحديث الكبار ، ثمّ جاءتهم رواية المسح على الجوربين عن المغيرة رفضوها وقالوا عنها : إنها معلولة والمحفوظ عن شعبة المسح على الخفّين . وإليك المزيد من الأدلة على أنّ الواقعة واحدة ــ باختصار ــ :

1 ًــ إنّ في جميع تلك الرّوايات المختلفة ، على كثرتها ، قولَ المغيرة وهو يصف النبي صلى الله عليه وسلم : " و عليه يومئذٍ جُبَّةٌ شاميّة ، فذهب يغسل ذراعيه ، فضاق عليه كمُّ الجُبّة ، فأخرجهما من تحت جُبَّته "

2 ًــ إنّ هناك حدثاً مميَّزاً جاء في بعض الرّوايات ، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم بعدما توضّأ ومسح على خفّيه ، لحق بالناس فإذا بهم أقاموا الصّلاة وأمّهم عبد الرحمن بن عوف ، فصلى النبي صلى الله عليه وسلم خلفه .

وهذه القصّة لا يمكن أن تتكرر وهي فريدة . و المهم في الموضوع أننا نجد هذه القصة كاملة في بعض الروايات ، و مختصرة في روايات أخرى ، وفي بعض الروايات يأتي ذكر أطرافها التي تشير إليها ، وهذه الروايات التي أتحدّث عنها هي نفسها التي ظنّها مَنْ صحّحَ الحديث منفصلةً عن بعضها ــ لأن في بعضها مسح الخفّين فقط وفي بعضها مسح الناصية والعمامة ، وفي بعضها كان يتوضّأ ثلاثاً ــ مما يدلنا على أن كل هذه الأوصاف إنّما كانت في واقعة واحدة .

3ـًـ إنّ الروايات ــ التي جاء فيها مرةً أن المغيرة أراد أن ينزع خفي النبي صلى الله عليه وسلم فقال له عليه السلام : دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين ، ومرّة قال المغيرة للنبي صلى الله عليه وسلم أنسيتَ لم تنزع الخفّين فقال له صلى الله عليه وسلم لم أَنْسَ .. ، ومرّة قال المغيرة فمسح صلى الله عليه وسلم على الخفّين ، هكذا ومن دون استفهام بل حكاية حال ــ تنتهي دائماً بذكر صلاة النبي صلى الله عليه وسلم خَلْفَ ابن عوف ، مما يدل على أنّها قصّة واحدة وإنْ كانت ألفاظها المختلفة خَيَّلَت للبعض أنها قصص مختلفة .

4 ًــ لو كانت تلك الرِّوايات لحوادِثَ متعددة ، لفُهِمَ منها أنّ مسحَ النبي صلى الله عليه وسلم على الخفّين كان مشهوراً ومعروفاً ، وخاصّة عند الصحابة المتقدِّمين والمتتبّعين لسنّة النبي صلى الله عليه وسلم أمثال الصحابي الجليل عبد الله بن عمر رضي الله عنهما . ولكننا نجد العكس فقد كان ابن عمر وغيره من الصّحابة ينكرون المسحَ على الخفّين [7] حتى ثبت لهم أنه كان من فعله صلى الله عليه وسلم وذلك بعد وفاته صلى الله عليه وسلم . فقد روى الإمام مالك في الموطّأ عن نافع وعبد الله بن دينار ، أنهما أخبراه أن عبد الله بن عمر قدم الكوفة على سعد بن أبي وقّاص ، وهو أميرها ، فرآه عبد الله بن عمر يمسح على الخفّين ، فأنكر ذلك عليه ، فقال له سعدٌ : سلْ أباك إذا قدمت عليه ؛ فقدم عبد الله بن عمر ، فنسي أن يسأل عمر بن الخطّاب رضي الله عنه حتى قدم سعد ، فقال : أسألت أباك ؟ فقال : لا ، فسأله عبدُ الله ، فقال عمر : إذا أدخلْتَ رِجْلَيْكَ في الخفين ، وهما طاهرتان ، فامسح عليهما ، قال عبد الله : وإنْ جاء أحدُنا مِنَ الغائط ؟ قال عمر : وإن جاء أحدُكم من الغائط .[8]

0000000000000000000000000000000000000000000

7 ـ الثّابت والمتواتر عندنا الآن ، فما بالك بالمسح على الجوربين ؟

8 ـ ورواه أحمد في مسنده ، والبخاري مختصراً .



000000000000000000000000000000000000000000

ــ وقد قال الإمام ابن تيمية : "..إن أصلَ المسحِ على الخفّين خَفِي على كثير من السلف و الخلف ، حتّى إن طائفة من الصحابة أنكروه ، وطائفة من فقهاء أهل المدينة وأهل البيت أنكروه مطلقاً ، وهو رواية عن مالك ، والمشهور عنه جوازه في السفر دون الحضر . وقد صنّف الإمام أحمد كتاباً كبيراً في ( الأشربة ) في تحريم المسكر ولم يذكر فيه خلافاً عن الصحابة، فقيل له في ذلك ( أي في المسح على الخفّين ) فقال : هذا صحّ فيه الخلاف عن الصحابة بخلاف المُسكر . انتهى الفتاوى ج 21 صـ185

6 ًــ وقد رُوِيَ هذا الحديث ، في المسح على الخفّين عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه ، مِنْ نحو ستّين طريقاً ، (كما قال الإمام ابن عبد البرّ في " التمهيد" ج 11 صـ127) . كلّهم يقول فمسح على الخفّين ، إلا أبا قيس ـ عبد الرحمن بن ثَرْوان ـ قال : ومسح على الجوربين والنعلين . فخالف الجميع . وقد وثّقه العجلي و ابن معين ، ومع ذلك قال ابن معين : الناسُ كلُّهم يروونه على الخفّين ، غيرَ أبي قيس . وقال النسائي : ليس به بأس . وقال أبو حاتم : ليس بقوي ، هو قليل الحديث ، وليس بحافظ ، قيل له : كيف حديثه ؟ فقال : صالح ، هو ليّن الحديث . وقال الدّارقطني في (العلل) 7 / 112 عند الكلام على هذا الحديث : لم يرْوه غير أبي قيس ، وهو مما يُغْمَزُ عليه به، لأنّ المحفوظ عن المغيرة المسحُ على الخفين . وقال عبدُ الله بنُ أحمد ـ فيما نقلَه العُقَيلي ـ : سألتُ أبي عن أبي قيس عبد الرحمن بن ثروان ، فقال : هو كذا وكذا ـ وحرَّك يده ـ وهو يُخالِفُ في أحاديث . وقال الحافظ ابن حجر عنه :صدوق ربّما خالف .

ورحم الله عمر بن الخطاب القائل : ( السنّةُ ما سَنّهُ اللهُ ورسولُه صلى الله عليه وسلم لا تجعلوا خطأَ الرأي سنّةً للأمّة )



ــ فإذا تبَيَّن لك الأمرُ وعلمتَ أن الحديث غير صحيح ، أدْرَكتَ أنه ليس للقائلين بجواز المسح على الجوربين مستندٌ شرعي إلا القياس ، والمعروف أن القياس في العبادات ضعيف ، وإذا كان بعض العلماء يُجيز القياس في العبادات ، فإنهم لا يجيزونه في الرُّخَص باتفاق [9] . لكن لمّا ثبت عن بعض الصحابة أنهم مسحوا على الجوربين والنعلين علمنا أنهم أنزلوا الجوربَ مع النعل منزِلَةَ الخُفِّ ، وهذا ما يسمّيه علماء الأصول ( تحقيق المناط )[10] أي أن الجورب الذي مسحوا عليه هو في معنى الخف فيأخذ حكمه . وأمّا الذين اعتمدوا على القياس في تجويزهم المسح على الجوربين ، فإنّ قياسهم كان جليّاً ، أي يجب أن يكون الجورب مشابهاً للخف في أهمِّ صفاته من إمكان المشي وتغطية الكعبين ومشقّة النزع [11].

00000000000000000000000000000000000000000000000000 0000000000000000000000000000000000000000000000

9ــ القياس كما يعرّفه علماء الأصول : هو بيانُ حكم أمرٍ غير منصوصٍ على حُكمِه بإلحاقه بأمرٍ معلوم حكمه بالنصَّ عليه في الكتاب أو السنّة . أو هو إلحاقُ أمر غير منصوصٍ على حكمه بأمرٍ آخر منصوص على حكمه للاشتراك بينهما في علّة الحكم . فهو إذاً من باب الخضوع لحكم التماثل بين الأمور الذي يوجب التماثلَ في أحكامها ، إذ أساسه ربط ما بين الأشياء بالمماثلة إن توافرت أسبابها ، ووُجدت الصفات المتّحدة المكونة لها ، وإذا تمَّ التماثل في الصفات فلا بدّ أن يقترن به حتماً التساوي في الحكم على قدر ما توجبه المماثلة . وأما أركان القياس فهي :

1ـ الأصلُ : وهو المصدرُ مِنَ النصوصِ الذي بيَّنَ الحُكمَ .

2ـ الفرعُ : وهو الموضوع الذي لم يُنَصّ على حُكمِه .

3ـ الحكمُ : وهو الذي اتجه القياس إلى تعدّيه من الأصل إلى الفرع .

4ـ و العلّة : المشتركة بينهما .

فلا يُقاسُ على حُكمٍ ثَبَتَ بالقياس . !

إنّ الركن الثالث من أركان القياس وهو الحكم له عدة شروط : أوّلها : أن يكون حكماً شرعيّاً عملياً .

ثانيها : أن يكون الحكم معقول المعنى ، بحيث يُدرِك العقل السبب في شرعيّته ، كتحريم الخمر والميسر ، وتحريم الميتة ، وتحريم الغش والرشوة ، فإنّ هذه الأحكام يدرك العقل سبب شرعيتها ، وأمّا إذا كان الحكم غير معقول المعنى في ذاته كالتيمم مثلاً ، أو كعدد الركعات في الصلاة ، فإن هذه كلها أحكام لا يدرك العقل حكمتها . ولهذا يقسم العلماء الأحكام إلى قسمين : أحكام تعبّدية ، وهذه لا يجري فيها القياس . والقسم الثاني أحكام معقولة المعنى وهذه يجري فيها القياس ، لأنه يمكن العقل البشري أن يدرك علّتها .

ثالثها : ألا يكونَ الأصلُ معدولاً به عن القياس ، كالسفر في إباحته للإفطار فلا يصح أن تُقاس عليه الأعمال الشّاقة ، وكالمسح على الخفّين ، فإنه لا يصح أن يُقاس عليه المسح على الجوارب ، فإن هذه الأحكام ثابتةٌ على وجه استثنائي على خلاف القياس ، وما جاء على خلاف القياس فلا يُقاس عليه غيره ، ومثل ذلك الأكل ناسياً و الشرب ناسياً ، فإنه جاء على خلاف القياس فلا يُقاس عليه الخطأ أو الجهل وهكذا .

رابعها : ألا يكون الحكم الذي جاء به الأصل ثَبَتتَ خصوصيّته : كشهادة خزيمة إذ جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم شهادته بشهادة اثنين ، وكتزوج النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من أربع . انتهى

والعلماء يقسمون الأحكام التي جاءت مخالفة للقياس إلى أربعة أقسام : 1ـ أحكام ثبت خصوصها كعدد زوجات النبي صلى الله عليه وسلم . 2ـ الأمور التعبّدية التي ثبت أنها غير معللة وغير معقولة المعنى في ذاتها ، وإن كان لها أغراضها السامية ومقاصدها العالية . 3ـ الأحكام التي تثبُتُ رُخَصَاً منْ حكم عام ، ولا يُعَارِضُ الحُكْمَ إلا ما يكونُ في قوَّته وليس القياسُ في قوّة الحكم العام المثبت للعزيمة . 4ـ ما استثني من قاعدة عامة ، وكان للاستثناء معنى قائم بذاته استوجب ذلك الاستثناء . انتهى

بتصرّف من أصول الفقه لمحمد أبو زهرة

10ـ ناط الشيء بغيره : علّقه . وعند علماء الأصول مناط الحكم : علّته . وهناك ثلاثة ألفاظ له عندهم وهي تخريج المناط و تنقيح المناط وتحقيق المناط ، ولكل واحدة مدلولها الخاص .

11 ـ ولكي يكون القياس جلياً لابدّ من معرفة العلّة . وكما هو معروف عند العلماء فإنّ العلّة هي الأصل الذي قام عليه القياس وقد عرّفها بعض العلماء بأنها : الوصفُ الظاهر المنضبط المناسب للحكم . وعرّفها آخرون بأنها : الوصف المتميّز الذي يشهد له أصل شرعي بأنه نيط به الحكم . والتعريفان متفقان . وعلى ذلك فإن شروط العلة التي يمكن القياس عليها هي :

1ـ أن تكون وصفاً ظاهراً ، فإذا كانت العلة أمراً باطناً نفسياً أقام الشارع أمراً ظاهراً يدلُّ عليه .

2ـ أن تكون وصفاً منضبطاً ، لا يختلف باختلاف الأحوال ولا باختلاف البيئات .

3ـ أن تقوم سمةٌ مناسبة أو ملائمة بين الحكم والوصف الذي اعتبر علّة .

4ـ أن تكون العلّة متعدية غير مقصورة على موضع الحكم . ( كالسفر فإنه مقصور على الصيام من حيث أن يرخص الإفطار والقضاء من أيام أخر ، فلا يصلح علَّةً لعدم أداء الصلاة ) .

5ـ ألا يكون الوصف قد قام الدليل على عدم اعتباره ، وذلك إذا كان مخالفاً لنص ديني .

00000000000000000000000000000000000000000000000000 000000000000000000000000000

وإليك بيان أقوالهم : قال الحافظ ابن القيّم في تعليقاته على سنن أبي داود ، بعد أن قرّر ضعفَ حديث المسح على الجوربين ، وثبوته ( أي المسح )عن بعض الصحابة : " .. والعمدةُ في الجواز على هؤلاء _ رضي الله عنهم _ لا على حديث أبي قيس . .. ثم قال : و قد نص الإمام أحمد على جواز المسح على الجوربين و علّل رواية أبي قيس . وهذا من إنصافه وعدله رحمه الله ، وإنما عمدته هؤلاء الصحابة و صريحُ القياس ، فإنه لايظهر بين الجوربين والخفين فرق مؤثر يصح أن يحال الحكم عليه ) انتهى .

ـــ وقال الجصّاص في كتابه أحكام القرآن ج 2 سورة المائدة باب غسل الرِّجلين :

" فإن قيل : روى المغيرة بن شعبة وأبو موسى Sad أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على جوربيه ونعليه ) . قيل له : يحتمل أنهما كانا مجلَّدين ، فلا دلالة فيه على موضع الخلاف ; إذ ليس بعموم لفظ وإنما هو حكاية فعلٍ لا نعلم ( أي وَصْفَه ) . ومن جهة النظر اتفاق الجميع على امتناع جواز المسح على اللفافة ; إذ ليس في العادة المشي فيها ، كذلك الجوربان . وأما إذا كانا مجلَّدين فهما بمنزلة الخفين ويمشي فيهما وبمنزلة الجرموقين ، ألا ترى أنهم قد اتفقوا على أنه إذا كان كله مجلداً جاز المسح ؟ ولا فرق بين أن يكون جميعه مجلداً أو بعضه بعد أن يكون بمنزلة الخفين في المشي والتصرف . انتهى والجصاص هو من علماء الحنفية وهم أهل القياس كما لايخفى .

ــ وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عندما سُئِلَ عن المسح على الجوربين :

" نعم يجوز المسح على الجوربين إذا كان يمشي فيهما ، سواءٌ كانت مجلّدة ، أو لم تكن ، في أصح قولي العلماء . ففي السنن : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على جوربيه ونعليه ) وهذا الحديث إذا لم يثبت فالقياس يقتضي ذلك ، فإن الفرق بين الجوربين والخفّين إنما هو كون هذا من صوف وهذا من جلود ، ومعلوم أن مثل هذا الفرق غير مؤثر في الشريعة ، فلا فرق بين أن يكون جلوداً أو قطناً ، أو كتاناً , أو صوفاً كما لم يفرق بين سواد اللباس في الإحرام وبياضه ، ومحظوره ومباحه ، وغايته أن الجلد أبقى من الصوف فهذا لا تأثير له ، كما لا تأثير لكون الجلد قوياً ، بل يجوز المسح على ما يبقى وما لا يبقى ". انتهى اُنظرالفتاوى ج21 صـ 214

ـــ و قال الإمام النووي في كتابه المجموع شرح المهذّب ج 1 صـ 564 :

" .. هذه المسألة مشهورة وفيها كلام مضطربٌ للأصحاب ونصَّ الشافعي رضي الله عنه عليها في الأم كما قاله المصنف ، وهو أنه يجوز المسح على الجورب بشرط أن يكون صفيقاً منعّلاً ، وهكذا قطع به جماعة منهم الشيخ أبو حامد والمحاملي وابن الصباغ والمتولي وغيرهم ، ونقل المزني أنه لا يمسح على الجوربين إلا أن يكونا مجلدي القدمين ، وقال القاضي أبو الطيب : لا يجوز المسح على الجورب إلا أن يكون ساتراً لمحل الفرض ، ويمكن متابعة المشي عليه . قال: وما نقله المزني من قوله إلا أن يكونا مجلدي القدمين ليس بشرطٍ وإنما ذكره الشافعي رضي الله عنه لأن الغالب أن الجورب لا يمكن متابعة المشي عليه إلا إذا كان مجلد القدمين ، هذا كلام القاضي أبي الطيب وذكر جماعات من المحققين مثله ، ونقل صاحبا الحاوي والبحر وغيرهما وجهاً أنه لا يجوز المسح وإن كان صفيقاً يمكن متابعة المشي عليه حتى يكون مجلد القدمين والصحيح بل الصواب ما ذكره القاضي أبو الطيب والقفال وجماعات من المحققين أنه إن أمكن متابعة المشي عليه جاز كيف كان و إلا فلا ، وهكذا نقله الفوراني في الإبانة عن الأصحاب أجمعين فقال : قال أصحابنا : إن أمكن متابعة المشي على الجوربين جاز المسح وإلا فلا ، والجورب بفتح الجيم . والله أعلم . ( فرعٌ ) في مذاهب العلماء في الجورب قد ذكرنا أن الصحيح من مذهبنا أن الجورب إن كان صفيقاً يمكن متابعة المشي عليه جاز المسح عليه وإلا فلا ..... واحتج من منعه مطلقاً بأنه لا يسمى خفاً فلم يجز المسح عليه كالنعل . واحتج أصحابنا بأنه ملبوس يمكن متابعة المشي عليه ساتر لمحل الفرض فأشبه الخف ، ولا بأس بكونه من جلد أو غيره بخلاف النعل فإنه لا يستر محل الفرض ، واحتج من أباحه وإن كان رقيقاً بحديث المغيرة رضي الله عنه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على جوربيه ونعليه ) وعن أبي موسى مثله مرفوعاً . واحتج أصحابنا بأنه لا يمكن متابعة المشي عليه فلم يجز كالخرقة . والجواب عن حديث المغيرة من أوجه : ( أحدها ) أنه ضعيف ضعفه الحفّاظ ، وقد ضعفه البيهقي ونقل تضعيفه عن سفيان الثوري وعبد الرحمن بن مهدي وأحمد بن حنبل وعلي بن المديني ويحيى بن معين ومسلم بن الحجاج وهؤلاء هم أعلام أئمة الحديث ، وإن كان الترمذي قال : حديث حسن فهؤلاء مقدمون عليه بل كل واحد من هؤلاء لو انفرد قدم على الترمذي باتفاق أهل المعرفة .

( الثاني ) لو صحَّ لحُمِلَ على الذي يمكن متابعة المشي عليه جمعاً بين الأدلَّة وليس في اللفظ عموم يتعلق به . ( الثالث ) حكاه البيهقي رحمه الله عن الأستاذ أبي الوليد النيسابوري أنه حمله على أنه مسح على جوربين منعلين لا أنه جورب منفرد ونعل منفردة ، فكأنه قال : مسح جوربيه المنعلين ، وروى البيهقي عن أنس بن مالك رضي الله عنه ما يدل على ذلك* . والجواب عن حديث أبي موسى من الأوجه الثلاثة فإن في بعض رواته ضعفاً ، وفيه أيضاً إرسال ، قال أبو داود في سننه : هذا الحديث ليس بالمتصل ولا بالقوي والله أعلم . انتهى

000000000000000000000000000000

* سيأتي ذكره فيما بعد

000000000000000000000000000000

وقال الكاساني في كتابه " بدائع الصّنائع " ج 1

: ...... ولأبي حنيفة أنّ جواز المسح على الخفين ثبتَ نصاً ، بخلاف القياس ، فكل ما كان في معنى الخف في إدمان المشي عليه ، وإمكان قطع السفر به ، يلحق به ، وما لا فلا، ومعلوم أن غير المجلد ، والمنعّل ، من الجوارب لا يشارك الخف في هذا المعنى ، فتعذر الإلحاق... وأمّا الحديث فيحتمل أنهما كانا مجلّدين ، أو منعّلين ، وبه نقول : ولا عموم له ، لأنه حكاية حال ، ألا يرى أنه لم يتناول الرقيق من الجوارب ؟ وأما الخف المتخذ من اللبد ، فلم يذكره في ظاهر الرواية ، وقيل : " إنه على التفصيل ، والاختلاف الذي ذكرنا "، وقيل : " إن كان يطيق السفر جاز المسح عليه ، وإلا فلا " وهذا هو الأصح . انتهى

• و لمزيد التوضيح إليك هذا البيان :

فبعد أن علمتَ أن المستندَ الشرعي للمجوِّزين المسحَ على الجوربين _ من الصحابة وغيرهم _ هو تحقيق المناط أو صريحُ القياس لا مطلق القياس ـ كما يظنّ البعض أنّ كلّ ما يستر القدم جاز المسح عليه قياساً على الخف[12] ـ بقي أن تعلم أن معظم من صحَّ عنه المسح على الجوربين من الصحابة إنّما جاءت الرواية عنه بأنه مسح على الجوربين والنعلين هكذا معاً ، وإليك بعضها :

1_ عن كعب بن عبد الله قال: رأيت علي بن أبي طالب رضي الله عنه بال فمسح علىجوربيه و نعليه .

2_ عن إسماعيل بن رجاء عن أبيه قال : رأيت البراء بن عازب يمسح على جوربيه ونعليه .

3_ و عن همام بن الحارث عن أبي مسعود البدري أنه كان يمسح على جوربيه ونعليه

وحتى في حديث المغيرة بن شعبة ( الذي حكم الحفّاظ بضعفه ) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضّأ ومسح على الجوربين والنعلين .

ـ إذاً فالترخيص بالمسح على الجوربين عند هؤلاء إنما جاء مقروناً بلبسهما مع النعلين ، ويكون المسح عليهما معاً ، لا على واحد منهما دون الآخر . والدليل على ذلك أن المسح على النّعلين فقط لم يجوِّزه أحدٌ من الفقهاء الذين رخّصوا بالمسح على الجوربين فيما أعلم . واشتراطُ النعلين مع الجوربين هو عند الجميع ، وإليك كلام العلماء :

_ قال العظيم آبادي عند شرح حديث المغيرة : " ... ومعناه : أن النعلين لبسهما فوق الجوربين كما قاله الخطّابي . فمسح على الجوربين و النعلين معاً ، فلا يستدل به على جواز مسح النعلين فقط ، قال الطّحاوي : مسحَ على نعلين تحتهما جوربان ، وكان قاصداً بمسحه ذلك إلى جوربيه لا إلى نعليه ... فكان مَسْحُهُ على الجوربين هو الذي تَطَهّرَ به ، ومَسْحُهُ على النعلين فضلٌ .. انتهى

عون المعبود ج1 صـ182ـ184

00000000000000000000000000000

12ـ روي عن الإمام مالك رحمة الله عليه أنه قال : ( إنّ المُغرقَ في القياس يكاد يفارق السنة )

0000000000000000000000000000000000



_ وقال الإمام النووي في المجموع ج1 صـ 565 : ".. واحتجّ من منعه مطلقاً بأنه لا يسمى خفاً فلم يجز المسح عليه كالنعل . انتهى

ــ وتَرْجَمَ الإمام البخاري في صحيحه ( كتاب الوضوء) :

بابُ غسل الرِّجلَين في النّعلين ، ولا يمسحُ على النعلين . انتهى

ــ و قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى ج21 صـ184 :

" .. بل المنصوص عن أحمد في غير موضع أنه يجوز المسح على الجوربين و إن لم يثبتا بأنفسهما، بل بنعلين تحتهما ، وأنه يمسح على الجوربين ما لم يخلع النعلين . انتهى

ــ وقال أيضاً في الفتاوى ج21 صـ192 :

" ... فأمَرَهم بالقطع حينئذٍ لأن المقطوع يصير كالنعلين ، فإنه ليس بخف . ولهذا لا يجوز المسح عليه باتفاق المسلمين ، فلم يدخل في إذنه في المسح على الخفّين " . انتهى

_ فإذا كان الأمر كذلك فما الدليل على جواز المسح على الجوربين وهما خارج النعلين ؟

أمّا الأئمة الذين ذكرناهم في المجوّزين للمسح على الجوربين فقد اشترطوا النعلين أو ما يقوم مقامهما ( بمعنى أن يكون الجورب مما يُمشى فيه ) ؛ وقد مرّ معنا كلامهم فيما سبق ، فمن ذلك قول الإمام أحمد السابق الذي رواه ابن تيمية ، وكذلك ما حكاه البيهقي رحمه الله عن الأستاذ أبي الوليد النيسابوري أنه حمله على أنه مسحَ على جوربين منعلين لا أنه جورب منفرد ونعل منفردة ، فكأنه قال : مسح جوربيه المنعّلين .

وروى البيهقي عن أنس بن مالك رضي الله عنه ما يدل على ذلك . وروايةُ البيهقي هي : عن راشد بن نجيح (الحماني) قال: (رأيت أنس بن مالك دخلَ الخلاء وعليه جوربان أسفلهما جلود وأعلاهما خزٌّ [13] فمسح عليهما). (البيهقي: 1/273) وسندها حسن .

0000000000000000000000000000000000000

13ـ الخزُّ من الثياب : ما يُنسج من صوف وإبريسم .



000000000000000000000000000000000000

وهذا وصفٌ واضحٌ للجورب الذي مسح عليه أنسٌ رضي الله عنه ، فمن أراد أن يُقلِّده في المسح وَجَبَ عليه أن يمسحَ على جورب مثل جوربه .

ــ وقد علّق الإمام ابن القيّم على كلام الأستاذ أبي الوليد فقال : " والظّاهر أنه مسح على الجوربين الملبُوسِ عليهما نعلان منفصلان . هذا المفهوم منه ..... وأيضاً فالمنقول عن عمر بن الخطّاب في ذلك أنه مسح على سيور النّعل التي على ظاهر القدم مع الجورب ، فأمّا أسفله وعقبه ، فلا . انتهى عون المعبود ج 1 صـ184

أقول : إنّ معنى كلام ابن القيّم أنه لا يمكنُ أن نستفيد من الحديث جوازَ المسح على النعلين فقط لأن النّعل تكون أسفل القدم ، وهي من جلدٍ غليظ أو رقيق ، وتُثَبّتُ النعلُ في القدم بواسطة سيورٍ وأربطة ، ومن المعلوم أنّ السنّة في مسح الخف هي مسحُ ظاهِرِه لا أسفله ؛ وأسفلُ الخف هو كالنعل ؛ فلا يعقل أن لا يمسح أسفل الخف ثُمّّ هو يمسح النعل !

وقد ذكر هذا المعنى أيضاً العلاّمة ابن قدامة المقدسي في المغني ج1 صـ 375

ـــــ وقد يستشهد البعض بأثر يرويه الدولابي عن سهل بن زياد أبو زياد الطحان عن الأزرق بن قيس قال : " رأيت أنس بن مالك أحدث فغسل وجهه ويديه ومسح على جوربين من صوف ، فقلت : أتمسح عليهما ؟ فقال: إنهما خفان ، ولكنهما من صوف ".

وقد صحح الشيخ أحمد شاكر هذا الأثر مع أنّه لا يصح ، لأنّ راوِيه سهل بن زياد الطحان لم يَرِدْ فيه تعديل ، وإنّما قال الأزدي عنه : " منكر الحديث " ومعنى هذا الكلام أنه سَبَرَ أحاديثه وتقصّى حاله ، فيكون هذا الوصف منه جرحاً مفسَّراً . بخلاف ما لو قال عنه : " ضعيف "، فقط ولم يزد على ذلك ، فإنه يكون جرحاً غير مفسر . والمعروف عند أهل الحديث أنّهم يشترطون تفسيرَ الجرح عند وجود تعديلٍ للرَّاوي لا عند غياب التعديل كما هي الحالة هنا . وسكوت البخاري عنه في تاريخه لا يعني أبداً أنه ثقةٌ عنده ، وإنما يعني أنه لا يعرف حاله ، فيُقدّمُ كلام الأزدي . وكيف يكون ثقةً وهو إنّما ذُكر في تراجم ميزان الاعتدال أو لسان الميزان ، وكما هو معروف عند أهل الحديث أن هذين الكتابين يُترجمان للمجروحين !

ومع ذلك فإن هذا الأثر لا يصلح حجّة لهم ، لأنّ أنساً رضي الله عنه قال إنهما خفّان . أي إنه ما ترخّص في المسح عليهما إلا لأنّهما عنده في معنى الخفّ ، يمشي عليهما ، ومرّ معنا آنفاً ما رواه البيهقي عن أنسٍ مما يدل على أن الجوربين كانا منعّلين .

• وأمّا مسألة رخصة المسح وضوابطها ، فلا بد قبل كلّ شيء من توضيح معنى

الرخصة ومعنى العزيمة . قال علماءُ الأصول إنّ العزيمة : هي الحكم الأصلي الذي شُرِع ابتداءً ويشمل الناس جميعاً ، والكل مخاطبٌ به .

والرّخصة : هي حكمٌ جاء مانعاً من استمرار الإلزام في الحكم الأصلي بسبب قيام مسوِّغ لتخلّف الحكم الأصلي . وللرخصة أسباب : منها الضّرورة ، كمن يخشى على نفسه الموت ولا يجد ما يأكله إلا الميتة فإنه يكون له أكلها . ومنها دفع الحرج والمشقّة كرخصة الإفطار في رمضان . وفي حال الضرورة قد يكون الرّجل مخيّراً بين الأخذ بالرّخصة والأخذ بالعزيمة وذلك كمن أكره على النطق بالكفر تحت التهديد بالقتل ، فإنه يجوز له النطق بالكفر وقلبه مطمئنٌّ بالإيمان ، ويجوز له أن يمتنع فيُقْتَل .

وقد يكون غير مخيّرٍ بين الأخذ بالرخصة والأخذ بالعزيمة وذلك إذا خشي على نفسه الموت من الجوع وليس أمامه إلا الأكل من المحرّمات كالميتة أو لحم الخنزير فإنه في هذه الحال يجب عليه أن يتناول هذه المحرّمات للحفاظ على حياته ، وبذلك الوجوب يخرُج الأمر عن أنه رخصة لأنّ الترخيص يقتضي الجواز بأن يكون هناك حكمان في المسألة : حكم ا

طالب علم

عدد المساهمات: 609
رايك في الموضوع يهمنا: 0
تاريخ التسجيل: 30/01/2010

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: المسح على الجوربين ( مناقشة الادلة )

مُساهمة من طرف طالب علم في الإثنين مايو 14, 2012 2:28 pm

تابع

: حكم العزيمة ، وحكم الرخصة ، وبإيجاب التناول خرج الأمر عن أنه رخصة إذا سقط الحكم الأول . بخلاف ما لو كان ليس أمامه إلا الأكل من مال الغير فإن حكم العزيمة باقٍ .

ولذلك يقسم بعض العلماء الرخصة إلى قسمين : رخصة إسقاط ، ورخصة ترفيه . فالأولى تكون عندما يكون الأخذ بالرّخصة واجباً ، إذا سقط حكم العزيمة ، والثانية تكون عندما يكون الحكمان ثابتين .

وحكم الرّخصة هو : جواز العمل بها في مواضع الجواز ، ففي هذا الحال يكون المكلّف مخيّراً بين الأخذ بالعزيمة والأخذ بالرخصة ، فالمسافر في رمضان مخيَّرٌ بين الأخذ بالعزيمة وهو الصوم ، وبين الأخذ بالرخصة وهي الإفطار ؛ وذلك لأنّ النصوص الواردة في القرآن والحديث النّبوي جعَلَت الرّخصة في موضع الإباحة والتّخيير بعد طلب الفعل اللازم أو طلب التّكليف اللازم ، لأنّ اليسر من مقاصد الشرع الإسلامي ، كما قال تعالى { وما جعل عليكم في الدِّين مِنْ حَرَج } وكما قال سبحانه وتعالى{ يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } .انتهى

من أصول الفقه لمحمد أبو زهرة .

وبعد أن أوضحتُ معنى الرخصة وأحكامها باختصار ، أوردُ أقوال العلماء في رخصة المسح على الخفّين :

_ قال الإمام ابن تيمية : " .. أمّا طهارة المسح على الخفّين فليست واجبة ، بل هو مخيّر بين المسح وبين الخلع والغسل ؛ ولهذا وقّتها الشارع ، ولم يوقتها بدخول وقت صلاة ، ولا خروجها، ولكن لمّا كانت رخصةً ليست بعزيمة حدّ لها وقتاً محدوداً في الزمن ، ثلاثاً للمسافر ويوماً وليلة للمقيم ؛ ولهذا لم يجز المسح في الطهارة الكبرى . انتهى الفتاوى ج 21 صـ 361

_ وقال أيضاً : إنّ سبب الرّخصة الحاجة . انتهى الفتاوى ج 21 صـ 175

_ و إذا نظرتَ في الحديث الذي استشْهدوا به وهو أن الصحابة كانوا في سريّة فشكَوا إلى رسول الله ما أصابهم من شدّة البرد فأمرهم أن يمسحوا على التساخين والعصائب .

وجدتَ أن الصحابة كانوا يعانون من شدّة البرد فرخّص لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمسح على العصائب وهي العمائم ، والتساخين وهي الخفاف . وهذا هو اليسر في الدّين .

ــ وانظر إلى تعليق شيخ الإسلام على هذا الحديث حيث قال :

" .. ومعلوم أن البلاد الباردة يحتاج فيها مَنْ يمسح التساخين والعصائب ما لا يحتاج إليه في أرض الحجاز ، فأهل الشام والرّوم ونحو هذه البلاد أحق بالرخصة في هذا وهذا من أهل الحجاز ، والماشون في الأرض الحزْنة والوعرة أحقّ بجواز المسح على الخف من الماشين في الأرض السهلة .. " انتهى الفتاوى ج 21 صـ 188

ـ كما روى البيهقي من طريق عبد الرزاق قال أنبأنا معمر عن ابن طاووس عن أبيه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال :" أنا عند عمر حين اختصم إليه سعد وابن عمر في المسح على الخفّين ، فقضى لسعد ، فقلتُ : لو قلتم بهذا في السّفر البعيد والبرد الشّديد " .

وهذا سندٌ صحيحٌ جداً وعلى شرط الشيخين .

_ وقال الإمام ابن تيمية : " ولا يُشرعُ له أن يلبس الخفّين لأجل المسح . انتهى الفتاوى ج 26 صـ 94

_ ولذلك قال الإمام الكاساني في " بدائع الصنائع " ج 1

:.. ولأن الجواز في الخف لدفع الحرج لما يلحقه من المشقة بالنزع ، وهذا المعنى موجود في الجورب ، بخلاف اللفافة ، والمكعب ; لأنه لا مشقة في نزعهما . انتهى

_ فكما ترى إن مفهوم الرّخصة عند العلماء مقرون بالأسباب التي لأجلها كانت الرّخصة ، وليس بمعزل عنها ، ألا ترى كيف وقّت النبي صلى الله عليه وسلم ، لمّا رخّص بالمسح على الخفّين ، للمقيم يوماً وليلة ، وزاد المدّة إلى ثلاثة أيّام للمسافر، وما ذلك إلا لأنّ المشقّة , في نزع الخفّين للمسافر , قد زادت !

ــــ ونحن نعلم أن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم قد قال :" إنّ الله يحبُّ أن تُؤتى رُخَصُه ، كما يَكْرَهُ أن تُؤتَى معصيَتُه " رواه أحمد بسند صحيح

وفي رواية ابن حبّان والبيهقي " كما يحب أن تؤتى عزائمه " وسندها حسن .

ولكن يجب علينا أوّلاً أن نتيقّن من أن هذه الرخصة هي من عند الله . ثمّ لا نخرجها عن مفهوم الرّخصة في الشرع . وكما رأيتَ فإنّ رخصة المسح على الجوربين لم تثبت أبداً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا يصحُّ لنا إطلاقُ العمل بها دون شروط المرخّصين بها ، ودون دواعي الحاجة التي ذكروها. وقد مرّتْ معنا أقوالهم في شروط و ضوابط المسح على الخفّين الذي جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فما بالك في المسحِِِِِ على الجوربين الذي لم يرد عنه صلى الله عليه وسلم !

ـــ أمّا مسألة أيّهما أفضل المسحُ على الخفّين أو ما يقوم مقامهما أم غسل القدمين ؟

فإنّ الجمهور على أنّ الغسل أفضل . وقال الحنابلة في أحد أقوالهم المسحُ أفضل . وأَعْدَلُ أقوالهم هو قول الإمام ابن تيمية : " . . ولا يشرع له أن يلبس الخفّين لأجل المسح ، بل صورة المسألة إذا لبسهما لحاجته ، فهل الأفضل أن يمسح عليهما ، أو يخلعهما ، أوكلاهما سواء ؟ على ثلاثة أقوال : والصّواب أنّ المسح أفضل ، اتّباعاً للسنّة . انتهى الفتاوى ج26 صـ94

والحق أنّ كلام شيخ الإسلام جميلٌ جدّاً ، لأنّه وَضَعَ النّقاط على الحروف كما يقولون ، فبيّن أوّلاً أنّه لا يشرع لبسهما لأجل المسح ، وهذا أمرٌ مهم جدّاً يجب أن يكون واضحاً في أذهان الذين يأخذون بكلام شيخ الإسلام و لكن من آخره ! ثُمَّ بيّنَ رحمه الله أن مَنْ لبسهما لحاجة ؛ وانْتَبِه لدقّة الكلام ؛ فالأفضل له أن يمسح عليهما اتّباعاً للسنّة .

ـــ إننا إذا أنعمنا النّظر وجدنا الأمر واضحاً . أليس الغسل عزيمة ، أليس المسح رخصة ؟ فكيف يصحّ أن نقول إن الرّخصة أفضل من العزيمة ؟! وقد مرّ معنا آنفاً أن حكم العزيمة يبقى سارياً مع وجود الرخصة ، وأن المرءَ مخيّرٌ . و لذلك كان الصحابة يفتون الناس بالمسح على الخفّين وهم في خاصّة أنفسهم لا يمسحون بل يَنزعون أخفافهم و يتوضّؤون ، كما روى ابن المنذر في الأوسط عن أم كلثوم ابنة أبي بكر أنّ عُمَرَ نزل بوادٍ يقال له وادي العقارب فأمرهم أن يمسحوا على خفافهم وخلع هو خفيه وتوضأ وقال : (إنما خَلعت لأنه حبب إليَّ الطهور ).

وعن أفلح مولى أبي أيوب عن أبي أيوب أنه كان يأمر بالمسح على الخفين ويغسل قدميه فقيل له كيف تأمرنا بالمسح وأنت تغسل فقال : (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله ويأمر به ولكن حُبِّبَ إليَّ الوضوء ) .

وعن صدقة بن يسار قال : سمعت ابن عمر يقول : (إني لمولَعٌ بغسل قدمي فلا تقتدوا بي ) . الأوسط لابن المنذر (1ـ 439) وهذه الرّوايات رجال أسانيدها كلّهم ثقات .

فلو كان المسح أفضل لما تركه هؤلاء الصّحابة الكبار وعدلوا عنه إلى الغسل . وقد بيّن القائلون بأفضلية المسح أنهم استحبّوا ذلك لأنّ فيه مخالفة أهل البدع الذين يرفضون هذه الرخصة النّبويّة .

وقد روى حنبَلٌ عن أحمدَ أنه قال : " كُلُّهُ جائزٌ ، المسح والغسْل ، ما في قلبي مِنَ المسح شيء ، ولا من الغسل " .

والحديث كما مرّ معنا " إن الله يحبّ أن تؤتى رخصه كما يحبّ أن تؤتى عزائمه "

والمقصودُ من البحث في مسألة رخصة المسح وأيهما أفضل الغسل أم المسح ، هو بيان حقيقة هذه الرخصة ، لأنّ غياب حقيقتها عن أذهان الكثير من الناس جعلهم يُسيؤون استخدامها ، فهم يلبسون الخف لأجل أن يمسحوا عليه ، هروباً من الغسل ويظننون أن ذلك هو الأفضل ! ولأوضّح الأمر أكثر سأضرب مثالاً : إن رخصة الإفطار للمسافر ثابتةٌ بنصِّ القرآن ، فهل يُشرَعُ للمسلم إذا حلَّ شهر رمضان وكان في الصيف ، أن يُنشئ سفراً ليفطر ولا يصوم ، أخذاً بالرّخصة ، ثم يقول العمل بالرخصة أفضل ، وسأقضيه في الشّتاء ! هل يكون الأخذُ بالرّخص في الشّرع هكذا ؟

ـــ بقيت مسألة أحبّ أن أشير إليها وهي المسح على الجوارب التي يلبسها النّاس في أيّامنا هذه، وهي كما علمتَ لا يجوزُ المسحُ عليها عند كل من أجاز المسح على الجوربين الثخينين اللذين يمكن المشي فيهما ، إذ لا نصَّ يُجيزُها و لا يمكن قياسها على ما رُخّص فيه ، فهي رقيقة ولا يمكن المشي فيها .

ــ فإنْ قال أحدهم يمكنني المشيُ في هذه الجوارب ، قلنا له : فما هي الجوارب التي لا يمكن المشي فيها ؟

ولذلك فإن شرط إمكانِ المشي فيها إنما المقصود منه أن تكون في معنى الخفّ .

ــ ولكن وانطلاقاً من القاعدة الشرعيّة في رفعِ الحرج عن الأمّة المسلمة ، وقياساً على جواز المسح على الجبائر، يمكننا القول : إن الرّجُلَ المُسِنّ ــ مثلاً ــ إذا لبس هذه الجوارب على طهارة وكان يصعُب عليه أن ينزعها للوضوء ؛ وذلك إمّا لألم في ظهره أو رقبته أو لضعفٍ في ذراعيه أو خشي الإصابة بالبرد والتّأذّي منه ؛ فله أن يمسح عليها .وكذلك إذا توضّأ رجلٌ ثمّ لبس جوربيه وحِذَاءَه ثمّ أدركَتْهُ الصّلاة و هو في مكان يصعب عليه الوضوء فيه على وجهٍ كامل وضاق عليه الوقت ، فله أن يمسح على جوربيه ونعليه ( الحذاء ) ثمّ يصلّي فيهما والله أعلم .

وخلاصة القول :

1ــ المسحُ على الخُفّين سُنّةٌ ثابتة ومتواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .

2ــ المسحُ على الجوربين لم يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .

3ــ المسحُ على الجوربين والنّعلين صحّ عن بعض الصّحابة .

4ــ حجّةُ القائلين بالمسح على الجوربين صريحُ القياس على الخفّين .

5ــ الجَوْرَب يكون من جلد أو صوف أو قطن ، ويلبس وحده ، أو مع النّعلين .

6ــ شرط المسح على الجوربين أن يكونا ثخينين و يمكن المشي فيهما.

7ــ المسحُ يكونُ على الجوربين والنعلين معاً .

8ــ لا يجوزُ المسح على النعلين وحدهما .

9ــ المسحُ على الجوربين رخصةٌ عند الحاجة .

10ــ الجواربُ التي رُخّصَ المسحُ عليها هي غيرُ الجوارب التي يلبسها الناس في أيّامنا هذه .

11ــ الرخصةُ في المسح هي لرفع الحرج و المشقَّة . ولا مشقة في نَزْعِ الجوارب

المعروفة اليوم ، إذ بحركة بسيطة يمكن نزعها .

12ــ يجوزُ للمريض المُسِنّ أو لِمَنْ يَصْعُب عليه نزعُ الجوارب لمرضٍ أن يمسح عليها .

كما يجوزُ للمضطر أن يمسح على جوربيه وحذائه ويصلّي فيهما .





والحمدُ لله ربّ العالمين .







كتبه : د . خلدون مكيّ الحسني دمشق في 16 من ذي الحجّة 1425


طالب علم

عدد المساهمات: 609
رايك في الموضوع يهمنا: 0
تاريخ التسجيل: 30/01/2010

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى